محمد جواد مغنية

29

في ظلال نهج البلاغة

الاخلاص للَّه والعمل بمرضاته ( ويمموه ) أي قصدوه ( عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ) . توكلوا على اللَّه سبحانه في رغباتهم ، أما غيرهم من المخلوقين فيتوكل بعضهم على بعض ( لا يقطعون أمد غاية عبادته ) . المراد بالغاية هنا النهاية ، والمعنى ان الملائكة قطعوا شوطا طويلا في عبادة اللَّه ومع هذا ما بلغوا الغاية من العبادة ، لأن التعبد له بما هو أهله ليس له من حدود تماما كذاته وعظمته . ( ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ) . تطلق كلمة الاستهتار على اتّباع الهوى وعدم المبالاة ، وعلى الولع بالشيء ، وهذا المعنى هو المراد هنا ، أي ان الخوف والرجاء النابعين من القلب هما السبب المباشر لعبادة الملائكة ، واستمرارهم في طاعة اللَّه ( لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم ) . المراد بالشفقة هنا الخوف ، وينوا يفتروا ويكسلوا ، والمعنى ان جدهم في طلب مرضاته تابع لخوفهم منه تعالى ، وهذا الخوف دائم لا ينقطع فكذلك الجد ( ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم ) العمل الهين ، والاجتهاد العمل الصعب ، والمعنى لا طمع للملائكة إلا في ثواب اللَّه ومرضاته ، ومن أجل هذا آثروا أصعب الأعمال على هينها ، قال الإمام : أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه . أي أشقها وأحمزها . ( لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ) . بل رأوها لا شيء في حق اللَّه ( ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم ) . يجب أن يكون الخوف مساويا للرجاء ، والتفاؤل للتشاؤم كي يستمر المكلف في العمل ، فإن تغلب أحدهما على الآخر كانت النتيجة الأهمال والكسل ، واستكثار الأعمال نتيجة طبيعية لتغلب الرجاء على الخوف ، ومن أجل هذا تجنبه الملائكة ( ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم ) . كما اختلف أهل الأرض في اللَّه ووحدانيته وصفاته ( ولم يفرقهم سوء التقاطع ) . قلبهم واحد ، وغايتهم واحدة ( ولا تولاهم غل التحاسد ) . وعلى أي شيء يتحاسدون . ولا معدة لهم ولا غرائز جنسية ، ولا عمارات وسيارات ، وبنوك وعقارات ، وخدم وحشم . ( ولا تشعبتهم مصارف الريب ) . ما فرّقتهم الشكوك ، وسوء الظن ببعضهم البعض ( ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ) . إن همهم واهتمامهم واحد ، وهو الجد في طاعة اللَّه ، وقد بلغوا منها أسمى المراتب ( فهم أسراء - إلى - فتور ) .